الجمعة، 20 فبراير، 2009

وطـــن مع وقف التنفيذ..!!

هنالك شيئا ما على أطراف الذاكرة يعلن عن قدرته في استعادة أجزاءه المنسية.
يلملم بقايا جرح ٍ نازفٍ في زوايا المكان,

المكان الذي لا يشبه أي شيء سوى عزلة هذا الوطن المأساوية,
موحشٌ حزن شوارع هذا الوطن بما تحمله من صورة ٍ تثير الرهبة.

العديد من الأطفال الذين أستوعبهم الشارع في تزيين كل ما يؤثثه من الخرائب.
لتكون براميل القمامة هي وليمتهم الكبرى في البحث عن بقايا طعام ٍ فائض,
في أي مستقبل ٍ ينتظر تلك الطفولة ؟
كانت تلك البراميل بما فيها من نفايات كفيلة بأن تكون حضنا دافئا لأطفال الوطن المحرومين من كل شيء..
فائضٌ هذا الوطن بكل ما يملك..فائض بالحرية الجوفاء وفائض برجاله ونساءه ولصوصه و عصاباته
الليلية..
فائض بثواره وثوراته و فائضٌ أيضا بجيل ٍ من الشرفاء الذين يقفوا صامتين لمشهد الوطن الأخير,

الوطن متهم بهذا الانحسار الكبير في مسار ما بعد الوحدة وبعد كل الحروب الظالمة التي أُرتكبت بحق
أبناء الجنوب,

ها هو الوطن اليوم بعد أن أنجز مشروعه الأول في الاحتلال والتدمير للجزء الأخر من الوطن..

أنه يستعيد عافيته في الحقد والإقصاء الشديد لأبناء ذلك الشطر الجنوبي.
تم تجريدهم من وظائفهم وأرقامهم المالية وإعلان الحرب الباردة في كل الوزارات على ملف للمراجعة والمعاملة لشخص ٍ ينتمي إلى الجنوب.

أنهم مستبعدون من كل الدوائر العسكرية والكليات الحربية لظروفٍ غامضة ومبهمة للغاية.
هكذا تكون أرادة المنتصر والخارج من حرب ٍ قد ظفر بها على الطرف المهزوم والخاسر في المعركة.

لم تكن حرب عادية..فقد ساهمت الولايات المتحدة الأمريكية في دعم الطرف المنتصر وذلك للقضاء على أقطاب الاشتراكية والأحزاب الشيوعية فيما بقى لها من آثار في الأقطار العربية.
أنها توهم العالم أن الحرب متوقفة بين الطرفين وتعطي الطرف الشمالي الضوء الأخضر لشن الحرب على

الجزء الجنوبي والزحف على أبواب المدن الجنوبية.
ساهم أيضا في هذا الجانب أولئك القادة العسكريين الجنوبيين في التبليغ عن كل القواعد العسكرية

من أجل أن يربحوا بعض المقاعد الوزارية في حكومة الطرف الشمالي.
الحرب التي مزقت أسم الوحدة و بعثرت كل ثمار النضال الوطني المساهمة في بناء مشروع الوطن الأول!
حرب ٌ أجهضت ميزانية الوطن لخوض مثل تلك المغامرة.

الحرب بدأت بتلك التصفية البشرية لعناصر الجنوب..اغتيالات يومية وآنية في اللحظة ذاتها,

تلتها موجة تكفير لعناصر الحزب الاشتراكي اليمني.
شعر أبناء الجنوب بمرحلة الإقصاء والحرب من كل الجهات,
لم تنجح كل الطرق الدبلوماسية في حل الأشياء الفعلية التي دفعتهم إلى الخلافات.

أنتجت تلك الأزمة الدبلوماسية أزمة الحرب العشوائية.
أزمة وطنٍ يعيش ويلات حربٍ سوداء ويغني بأعلى صوته لأنه يريد أن يكتشف نكهة القتال هذه المرة

على يد أبناء الأرض الواحدة ويسير في موكب الضحايا بمفرده !
لقد سأم من حروب الماضي التي كانت لطرف أجنبي وأخر وطني.
فهاهو اليوم يجرّب تلك الحرب التي يقتتل فيها أبناء الوطن الواحد!!

الحرب التي لا مبرر لها سوى من يستولي على كرسي السلطة بمفرده.
من يظهر في النهاية بموقف المنتصر نتيجة لقوة ٍ كامنة يمتلك ثمن أبعادها,
بالتأكيد سيعلو صوته في أرجاء هذا الوطن الشاسع !!!

ولكن من تزحف صوبه ذراع المشيئة بغية أن تصيبه بإحدى شظايا السقوط الكبير..
السقوط في قاع الخطايا وقاع الخيانة في نظر الوطن الذي لن يُرّجح إلا كفة المنتصر فقط في النهاية,

لن يمنح أناشيده وأسماءه سوى لذاك الذي يفوز بهذا السباق المرّ..سباق المذابح الدموية أنه السباق إلى حانات الموتى الجدد.
في الأخير الوطن لن يكون إلا تذكرة عبور للاستيلاء على كل الثروة والسلطة والأرض معا.

وطنٌ سيفقد كل رموزه الوطنية بهذه النهاية الحتمية للحرب!!
أولئك الرموز الذين يساهموا في إثراء الوسط العمالي للمطالبة ببعض الحقوق المسروقة!!
الحقوق التي يعمد الحاكم المتصرّف بنفوذه وتوجهه السياسي إلى تغييب يد القانون على المواطن!!

والزجّ به في أتون المتاهة والضياع القسري تماما!!
فالحرب حتما قامت من أجل تسوية المقام في الدرجة الأولى وإزالة تلك القشور التي تحاول أن تعيد
للشارع حقه في الحرية و شجاعته في المطالبة باسم القانون!!

لم يستمر مشروع تلك الوحدة الذي ساهمت في ترميم شروطه طرفان لثالث لهما..
انهار ذلك المشروع كانهيار جدار برلين وبقت مشروعيته تقتصر على المنتصر!!

الخارج من أحدى جراحات الوطن الكبرى مكسوا بذل الانتصارات التي يطلقها على ذاته وحاشيته!

أننا نسرق من الوطن لحظته الحقيقية..ففي الوقت الذي ينبغي لنا أن نواسي الوطن على هذه المعارك الخاسرة التي يخوضها و على تلك الجراح النازفة من جبهة أبناءه..
أصبح على كل أنصار المنتصر اعتبار ذلك اليوم موعدا للاحتفالات والأعراس الوطنية.

التاريخ وحده من نترك له حرية الصمت والاحتفاظ بحقيقة مُرّة تماما!!
لن يدركها أحدا سواه..لن يبوح بسر ٍ أسمه الوطن المذبوح على يد أبناءه الحُكام الجُدد الذين

اغتالوا صورته دون أن يدركوا ما الذي يقترفوه !!
بقت الضحية في متناول قاتلها كأنه لن يهديها الموت بل سيكللها بالورود والياسمين,

فلن يتوقف الزمن لأي سببٍ كان..مهما أنحسر تاريخ المكان على ذاته وحاول تلفيق الحكاية التي تطوّق مساحة الوطن من جميع الجهات عدا تلك الأجزاء الجنوبية منها..فأنها تدرك مدى الخسائر والأكاذيب التي تمارسها الأطرف الأخرى!!
فمن أيّ الجهات تحاول أن تطوي تلك الحكاية الأم التي هي حكاية جزءٍ من وطن لم يعد في كل هوياته وطنٌ للجميع؟!
وطنٌ بكل معانيه إلى الطرف المنتصر لا غير !
وحكاية الأجزاء الأخرى التي سيتناوب على نهبها القادة القادمين بجيوشهم ولصوصهم المحترفة لذاك

العمل المنتظر!!
تناوب على تقاسم الأرض التي لم يعد لها من حامي أو مدافع لحرمتها!
التاريخ اليوم يسلب تلك المدينة حضورها الذهبي ونضالها السابق في المقاومة والتحرر من براثن

الاستعمار الأجنبي!!
ها هي اليوم تقف عارية الرجولة والمقاومة, وتستسلم إلى الذين دنسّوا كرامتها !!
المدينة برمتها تطوي التاريخ و تعلن نهاية صمودها!!
يسقط الماضي تحت أقدام الحاضر ويبقى الحاضر بكل عناوينه المريرة!!

أنهم يستفيقون على مأساة لا نهاية لخيوطها ومتاهاتها!!مأساة ٍ تتجذر على عتبة المستقبل المنتظر.

صورةٌ تتكسر ملامحها فجأة لتبقى مُفرغةٌ المعنى والشكل أيضا!
محزنٌ مستقبل جزءٍ من الوطن..ذلك الذي تمارس ضده سياسة الطرف المنتصر بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
ستمتد تلك العقوبات تشملهم وتوقف حياتهم ومستقبلهم.
هذا لا يعني بالطبع أن بقية أبناء الشعب للطرف المنتصر سيعيش في بحبوحة من السعادة.
ولكن ربما ستكون تلك الأجزاء التي تقع ضمن النطاق الجغرافي للطرف المغلوب تحت المجهر!!

سيعاني رجالها ونساءها ثمن تلك الهزيمة التي نزلت على رؤوسهم.
وها هي الحياة تمشي ولا تنتظر أحد..ها هو الوطن مُغلفا بعصبة حكامه يوقف تلك الدرجات الوظيفية الممنوحة لأبناء الجنوب.
هذا الإقصاء الذي شمل كل مناحي الحياة..إقصاء سياسي واقتصادي وثقافي و وطني واجتماعي وعسكري وعلمي !
لم تكن تلك القوة التي اجتاحت ذلك الجزء من الوطن قادرة على فعل ما حدث!!
ساهمت أطراف ٌ أُخرى من خارج الوطن في كل ذلك الدعم!!!

و لم يسلم الطرف المغلوب من الدعم الخارجي والذي كان أخطر من الدعم الذي تلقّاه الطرف المنتصر
.
الطرف المغلوب فقد شرعية ما يطالب به,لحظة إعلان الانفصال!!
كل الذين يطالبون بحقيقة موقفه ومطالبه أي الطرف المغلوب ذاب ذلك الجليد عند إشعال أول

ثقاب للانفصال!!
عاد أغلب المقاتلين من جبهات القتال في تلك اللحظة!!
فهم عن ماذا يدافعون وعن أي شيءٍ يقاتلون ؟؟
الوحدة لم تكن نتيجةً لخطأ ٍ وطني أو خللٍ اجتماعي !!
أنها نتيجة نضال وطني وحلم ٌ يراود الأجيال في توحيد أجزاء الوطن الذي يرزح تحت عبء ووطأة التشطير!!!
و لكن الوحدة التي خدعت الطرف الذي أعلن في النهاية الانفصال أجهضت كل ما يملك من مقومات
ومزايا!!
هذا الاسم الذي تحوّل إلى ثعلبٍ ماكر يحاول أن يلتهم ما حوله!!
ويوقظ النار والجمر في كل الأوقات..استمرار حالات الاغتيالات والفوضى التي يمارسها الطرف

المنتصر!!
حتى وصلت الأمور إلى ذروتها في التعقيد!!!
أستهدف ذلك الغطاء الوهمي الكثير من الشرفاء والوطنيين الذين علّت أصواتهم مناديةٍ برفض الظلم والعبودية,
فكانوا هدفا لعمليات ومآسي النظام المحكوم بالطرف المنتصر,
حصدت تلك الفترة أرواح مناضلي الكلمة الحُرة والصوت الجريء الذي يصدح بهتافاته بحثا عن رائحة ٍللحقيقة!!!
وسط هذه الخرائب كلها يستفيق المشهد الوطني على صورة ٍ مُهشمة الملامح !!

صورة ٌ لا تكاد تظهر شيئا من ألوانها وتقاسيم وجهها المجهول!!
صورةٌ تختنق بكل الأشياء المتوارية في أعماق المعنى الحقيقي لأبعادها الكاملة.

أنها لا تشبه شيئا عن عالمها التي تبحث عن صورته في الحقيقة!!
يمنحها المكان غموضا أكثر بعد خروجها من الزمان أيضا عارية الهوية.
لم تكتمل الألوان لإظهار الصورة جلية على مساحة الرسم في اختصار المسافات..

ولا المكان أيضا قادر على التواطؤ في رسم المشهد كما يمكن أن ينبغي!!
كم نحن بحاجة ٍ إلى لوحات ٍ تخرج من عتمة الواقع وتعطي الصورة الواقعية لكل هذه العتمة؟

فأيّ عتمةٍ تلك التي تحتل هذا الواقع وتُطوّقه من جميع الجهات؟!
الواقع الذي لم نجد له من مكانةٍ تعزز شعور هؤلاء المسكونين بكل هذا الحزن والضياع,
ليس لأنهم ارتكبوا شيئا مخل ٍ أو اقترفوا جرما بل لأنهم ينتمون إلى هذا الوطن..

ينتمون إلى راياته وأناشيده وأعياده الوطنية و العسكرية والبربرية!!
ولكنهم لا ينتمون أبدا إلى ثرواته وخيراته ورواتبه المالية أو درجاته الوظيفية!!

ينتمون إلى مساحة الحُرقة والألم والموت جوعا على أرصفة شوارعه!
و ما بقى من حياتهم فانه خليطا من الذل والظلم الذي تمارسه بعض رموز السلطة من قمع ٍ واضطهاد على تلك الطبقة الاجتماعية الخالية الأرقام والعلامات المميزة!!
كثيرون من أبناء تلك الطبقة من تشرّدوا وفقدوا صوابهم بسبب أعمال النهب وأشكال الظلم التي تمتد إلى ممتلكاتهم المكتسبة من الأجداد!!
أصبحوا بلا مأوى ولا عناوين تحترم عودتهم في ما سيأتي من زمنٍ قادم!!!
لذا من الصعب أن يبقوا على متن الواقع أحياء دون أن تصيبهم نوبة الجنون أو الموت صمتا و قهرا.
أنهم نتيجة هذا الركام الزائف من عبث التسلّط والهيمنة والجبروت!
ليس في القاموس من جملة ٍ أو كلمة تحفظ وجه القانون سوى مصادرة الحقوق وتمليكها إلى الأقوى!!
هذا الوجه المفقود الذي لم تستطيع اللوحات اختصار عُمقه الإنساني تماما!!!
وبقى الفن عاجزا عن تصوير ذاك المشهد الأزلي الذي ما زال يمارس حضوره في الذاكرة وفي أغوار الزمان!!
هناك هوةٌ لا تتسع لكل هذه الأصوات التي لم تجد لها من صدى في ما تيسر لها من الهذيان والبوح بأسرارها!
فبقت مُعرّضه لرياح الزمن يسرق من جعبتها ألم السنين وحزن هذا الواقع الباذخ!
لا تنتظر شيئا من دوران الأيام والأشهر سوى أنها توزّع ملاحم البكاء الموحش على أول عابر طريق.
تتسكع في واحة الصمت وهي بحالةٍ من الذهول التام لصورةٍ فقدت ما لا تملك من الفقدان والضياع.
هذا الصمت المرّوع لن يكون إلا تلك الصورة المفقودة من لوحة الرسم و جنون الألوان أيضا.

صورة تغادر المكان بحثا عن ذاكرة ٍ تُعيد شيئا من هيبة الأسلاف في طريقتهم لرفض الواقع وكل مُلابساته الغامضة,
تحاول الخروج من مرارة الفقر ومأساة الذل التي تختلقها حركة المجتمعات وعواصفها الهائجة.

فالخروج من تلك البؤرة لا يعني بالطبع خروجً من المكان فحسب بل الخروج من الزمان أيضا.
لا شك أن محاولة العيش أو الجنون المطلق خارج هذا الإطار الاجتماعي الموحش والكئيب يعتبر عملا

خارقا وبطوليا.
أنه لا يعترف بعمق جراح الحاضر ..و لا حقيقة معه سوى قوة الأشياء المادية الجوفاء,
تلك القوة الخرافية القادمة من أعلى الهرم السلطوي الذي يمنح من يشاء و يسلب من يشاء!!
فقط بقايا ظلال ٍيزيح الستار عن سرّ القوة الكامنة بكل هذا العبث الجنوني..لم يكن سوى العبث بحق الأمم والشعوب!!
وتحويل الإنسان وهو بهذا التصنيف إلى كائن يلعب دور الضحية تماما!!
كائن يعلن صمته وموته قهرا أمام هذه الأدوار كلها..وهو مازال على فعل الطبيعة موجودا بكل

ما أُوتي من عدمية الوجود !!
القانون الذي يتسابقون على اقترافه وتلطيخ بنوده بمعاول تلك القوة المُجّردة من معناها!!!

قوة تزوير الحقيقة وتجريدها من المضمون لتبقى هكذا عاجزة ٌعن صون كيانها,
حين تصبح الضحية جزءا من قاتلها..لا فرق بين جرم القاتل وعقاب الزمن ولا مصيبة الضحية

الجديدة,
فأيّ جرمٍ يمكن أن يليق بجّلاد ٍ يرى في اقتراف الجريمة عملا عابرا وممارسة ً يومية تأتي ضمن قائمة

المواهب وفنون الترف التي يعيشها الجّلاد ؟
يأتي دور الغائب والذي كان غيابه ربما بسبب ظروف اقتصادية أجبرته على مغادرة الوطن,
أنه خارج حدود الوطن وحدود اللعبة السياسية ولكنه يمارس شيئا من فوضى الانتماء إلى الوطن.

تلك الفوضى التي لم تجيز له كسب قوته اليومي البسيط والذي يكون ممكنا بالنسبة لآخرين والذين وجدوا في مساحةٍ كهذه موطنا خصبا لسرقة الأموال والثروات.

ليست هناك تعليقات: