الاثنين، 28 ديسمبر، 2009

هل أتاك حديث الفوتبول ؟!


أعتقدتُ يومها انها معركه او موقعه لاتقل عن حرب داحس والغبراء ، حاولت جاهدا" حينذاك أن اجد مبررا" لكل تلك الأحداث الدراميه والتى سبقت ورافقت وأعقبت مباراه فى ( الكبه ) بين منتخبى مصر والجزائر ،

يومها لم يكن هناك من صوت يعلو فوق صوت الملحمه الكرويه ، واجد هكذا مصطلح أبلغ تصوير لوصف مباراه القرن ، بين منتخبين أعتقدنا يوما" انهم شقيقان ،

شخصيا" أفرطت كثيرا بتفأولى بأن المباراه وبرغم كل الشحن الإعلامى المهول لوسائل الأعلام المصريه والجزائريه ستمر بسلام ، التفأؤل الذى بنيته على كون المباراه بين منتخبين عربيين ، ويكفينا نحن العرب ( المناحيس كرويا" ) أن يصل منتخب عربى لمونديال جوهانسبرج كتكمله عدد ليس إلا ،

وقبل مباراه العوده على أستاد القاهره الدولى ، كانت الأنباء تتوالى عن هجوم تعرض له باص المنتخب الجزائرى من قِبل مجاميع مصريه متعصبه ،

ومعها بدءت رَحى الحرب الكلاميه بين المسؤولين فى البلدين ، ورغما" عن ذلك عدت المباراه بسلام إلا من حوادث عرضيه لا تستحق مزيدا" من التصعيد خصوصا" على المستوى الرسمى ،


يومها نجحت مصر فى الأبقاء على حظوظها فى التأهل إلى ما بعد المباراه الفاصله بينهما فى الخرطوم ، ألاأن ما حدث هناك أوجد شرخا" عميقا" فى العلاقات المصريه الجزائريه قد لا يندمل إلا بشق الانفس ،


وبغض النظر عن من كان السبب فى أثاره الأحداث ، فأن تحميل المسؤوليه لطرفا" دون أخر ، يعد أجحافا" ،

فالمسؤوليه ولاشك أنها تقع على عاتق كلٌُ من البلدين ووسائل إعلامهما ، واللتان دأبتا على مدار ألاشهر الماضيه على تعبئه الجماهير وشحنهم بأنزيمات التعصب ،


ومع تصاعد وتيره الأحداث ووصولها لأعلى مراتب الحكم فى البلدين ، وأستدعاء السفراء ، والأعتداء على الجاليات ،وتدمير المصالح والشركات فى كليهما ،

شعرت بالأسى لأننا نحن العرب حتى فى الرياضه لم نتفق ، وما زلنا متخلفين فى كل شئ فى الفكر،وفى السياسه ، و الأقتصاد, وفى كل شئ ، واللهم لا شماته )


كره قدم أحدثت مالم يحدثه جهازى( الموساد والشاباك الأسرائيلى ) حسب ما قاله سفير الدوله العبريه فى باريس ،

ويبدو أنها المره الأولى التى تنتقل فيه خلافات العرب من القيادات إلى الجماهير، على ذاك النحو الذى أبرزه التصام الجماهيرى العنيف بين المصريين والجزائريين ،


أذا " ما الذى حدث ، وهل هناك مبررا" لكل ذاك التصعيد الشعبى والرسمى فى البلدين وبسبب كره قدم ،؟

هناك شئ أود أن يعلمه الجميع بعيدا" عن مسميات التعصب الرياضى الأعمى ،

الأوباش والحمقى موجودون فى كل زمان ومكان ، وهم دائما" ما يلجئون لممارسات تجعلهم يظهرون بمظهر الوطنيين ،

ليمارسوا بأسم الوطن وتحت رايته أفعالا" مشينه لا تمت للروح الرياضيه بصله ، فعلى سبيل المثال حين يرمى أحد المشجعين لاعبا" أو حتى حكم الساحه بقنينه المياه ،

فأن هكذا تصرف غبى لا يعدو عن كونه فعل ههمجى ، لا يندرج ضمن الهوس المجنون بالفوتبول ، أو حب الوطن والتيمن به دائما" ،

هذا على مستوى الفرد ، وهى حالات مكرره الحدوث أذ لا تكاد تخلو مباراه فى الليجا او الكالشيو من هكذا تصرفات ،

الأخطر من كل ذلك هو الهوس والتعصب الجماعى ، وهو ما شاهدناه فى الحاله المصريه الجزئرايه ، لدرجه شعرت فيها أنه لم يعد هناك عقلاء فى كلا البلدين ،

فحين يظهر السيد (علاء مبارك ) نجل الرئيس المصرى على شاشات التلفزه واصفا" جمهور الجزائر (بالهمج) ، وبانهم ليسوا بجمهور كره بل قاطعى طرقات وخريجى سجون ،

وهو الامر الذى ينطبق أيضا" على تصريحات المسؤولين الجزائريين ومهاجمه الجمهور الجزائرى للشركات المصريه وسط العاصمه وأحراق العلم المصرى والتبول عليه ،

فأننا أمام معضله ليس فى الرياضه بل فى العقليات التنويريه التى يبدو انها أنعدمت يومها ،

علاوه" على ذلك فقد فاحت رائحه الأستغلال السياسى بقوه ، فالنظام المصرى وجد فى المباراه فرصه لأشغال الرأى العام المصرى عن قضايا التوريث والأنتخابات الرئاسيه ، ومشاكل جمه لا حصر لها ، فلم يكن امامه من سبيل لتلميع صورته الأ الوصول بالمنتخب للمونديال ،

والامر شبيه جدا" بالنسبه لنظام بوتفليقه المترنح نسبيا" ، والذى بدء حملته الأنتخابيه بزياره معسكر المنتخب فى ولا يه ( سطيف) شمال شرق ما بعرف ( الجزائر ) ،

وأظن ان ما من شئ يفسد الروح الرياضيه كدخول رجال السياسه فيها ، وهو ماتجلى بوضوح من خلال تسخير المباراه لتحقيق مكاسب تضيف لرصيد النظامين مزيدا" من الألتفاف الشعبى ، خصوصا" وان كلا النظامين مقبلين على أستحقاقات دستوريه تضعهم على المحك ،

والأمر الأهم أن أخلاقيات المهنه الأعلاميه انعدمت لدى معظم وسائل أعلام البلدين ، فصحيفه الشروق الجزائريه المتهمه من المصريين بأطلاق شراره الأحداث لم تكن إلا نموذجا" حيا" للأستغلال السئ لصاحبه الجلاله ، لتحقيق أهداف نظاميه بحته ، ضاربه" بعرض الحائط بقيم العروبه والدين والمصير المشترك ،

وأذكر أن احد الفنانيين المصرييين الذين أبتعثوا إلى الخرطوم لمؤازه منتخب بلادهم ، قال لقناه مصريه بعيد أنتهاء المباراه ، ردا" على سؤال المذيع له ، عن سير مجريات الأحداث فى الخرطوم ، فرد الفنان بقوله ( فى موت يا أستاذ )

وهو الامر الذى حدى بالمذيع لأطلاق أهات المعتصم ، متوعدا" الجزائرييين بحمام دم فى الخرطوم ، طالبا" من المصريين بقتل الجزائرييين بمصر،

لا شك أن هكذا تعبير ومن صحفى يعد سذاجه وقمه المهزله الأعلاميه ،

هناك حقيقه وأود ألا ينزعج منى الأخوه الجزائريون ، وهى أن نظام بوتفليقه تعمد أرسال (حثاله المشجعين الجزائرييين ) وهم فى الغالب خريجى سجون ، مع أحترامى لغالبيه أبناء بلد المليون شهيد ،

هؤلاء كانوا السبب فى تعكير صفو المباراه ،وأيضا" فى أصابه أكثر من ३० مشجع مصرى ، حسب ما اكدته أحصاءات الأمن السودانى ، والذى عانى الأمرين لمواجهه تداعيات كارثه كرويه كادت أن تعصف بعلاقات السودان مع كلا" من مصر والجزائر ، واللذان بادرا بأتهام السودان بعدم توفير الحمايه الأمنيه المناسبه لتجنب التصادم بين الجماهير،

السوادن ومن وجهه نظرى تحمل أكثر من طاقته لتوفير الحمايه والخدمات لأكثر من أربعين الف متفرج جاءوا على متن 100طائره أحالت مطار الخرطوم ذو الممر الواحد والمتواضع نسبيا" مقارنه" بمطارى القاهره وبومدين ،

أحالته الى خليه نحل لايجد فيه المرء موطئ قدم ، حسب ما تناقلته وسائل الإعلام قبل ساعات من بدء المباراه المصيريه ،

الأغرب من كل ذلك أن العاصمه باريس شهدت أعمال عنف بعد المباراه فاقت تلك التى حدثت فى الخرطوم ، حيث أعلن مصدر مسؤول فى شرطه العاصمه أن 200سياره أحرقت نتيجه لأعمال عنف لأبناء الجاليه الجزائريه بالأضافه الى تكسير العديد من المحلات ، وأغلاق الشوارع خصوصا" تلك المؤديه إلى الأليزيه وسط العاصمه ،

وفى الجزائر قتل14شخصا" عقب انتهاء المباره ، معظمهم أصيبوا بنوبات قلبيه ، بينما أصيب أكثر २४५ مشجع بأصابات مختلفه ،

بالنسبه لى أعتقد أن كل ما حدث جعلنا ( ليس مصر والجزائر فحسب ) بل نحن كعرب أضحوكه الأمم ،

ويا أمه" ضحكت من جهلها الأمم ،

ويبدو أننا كعرب نعانى من أزدواجيه ، نتهم الغرب أحيانا" بالوقوع فى مزالقها ، فالكل أستنكر ما حدث لكونه بين بلدين عربيين ،

ولو كان احدهما غربى لانتهت الأشكاليه ، والحقيقه أن الحاله لم تكن فريده وأستثنائيه ، فالعلاقات العربيه العربيه فى الحضيض ،

وبامكان ان نشهد أحداث متكرره ومشابهه جدا" لموقعه الخرطوم ضمن التصفيات المؤهله لكأس العالم ،

فقط لأن التركيبه السيكوبيتيه لنا كعرب ترغمنا كثيرا" على التعصب لكل ما هو بلدى ، وهو الموروث الجينى والذى توراثناه تباعا" كجزء من ثقافه النخوه العربيه والتى يبدو أننا نفقدها فى كل المواقف، إلا فى الرياضه ،

لقد كان من السهل أن تتفق القيادتان المصريه والجزائريه على أقامه المباراه فى أجواء هادئه وأريحيه ، على أن يحضر رموز البلدين كضيوف شرف ، ليهنئوا فى الاخير الفائز بشكل جماعى ، فالكره دائما" تعطى من يستحقها ،

لكن ذلك لا يروق لهما ، فهمهم الاول هو خلق حدث هلامى يشغلون الناس عن معاناتهم ، وتوحدهم خلفهم لمواجهه عدو أفتراضى أظهرته كره القدم ،

مدون مصرى أتابعه على موقع تويتر ، دائما" ما يكتب عن سوء الأدراه ،والبيروقراطيه السائده فى الدوائر الرسميه ، وبنايه طاحت فى الجيزه على روؤس ساكنيها ، ومئات الشباب من العاطلين ،

وقبل شهرين من بدء المباراه ، لم يعد هناك من حديث لديه ألا عن ، الملحمه ، الموقعه ، وهلم جر من العبارات الحماسيه ،

لم يعد هناك بطاله ، لم يعد هناك بنايات تنهار على رؤوس ساكنيها ، ولم تعد قضيه التوريث تهمه ، ولكأن عقارب الساعه توقفت مع دنو الموقعه الكرويه بين الجزائر ومصر،

وهنا فقط تكمن الهستيريا الجماعيه التى أحالت العلاقه الأخويه بين الشعبين المصرى والجزائرى الى جحيم لا يطاق ، انقسم معها حتى الشارع العربى بين مشجع للجزائر او مشجع لمصر ، وهذا اللى كان ناقصنا ،

كثيرون هم من شجعوا الجزائر ، ولست منهم ، ليس حبا" فى الجزائر ، بل نكايه" بالنظام المصرى ومواقفه السياسيه ، والتى لا تروق للكثير ،

ولهؤلاء أقول أن مصرليست حسنى مبارك ، وإن كان الزمن قد دار دورته الكامله ، ليضع مصر بعيدا" عن مكانتها المعهوده ، فأن عجله الزمن ودوراته المتعاقبه كفيله جدا" بعودتها إلى الواجهه ،

وهو الأمر الذى ينطبق تماما" على الجزائر ودورها الطليعى والريادى فى نصره القضايا العربيه ، جزائر الزعيم هوارى بومدين ، والتى علمتنا أصول و أدبيات الكفاح الوطنى ،

فى الختام أتمنى أن تعود العلاقات المصريه الجزائريه إلى مسارها الطبيعى ، وتعود المياه أيضا" إلى مجاريها ، مع طى صفحات الأحداث دون رجعه ، وبما يكفل توثيق عُرى وأواصر المحبه والاخاء بين أبناء البلدين ،

ويادار ما دخلك شر،

.......

،

...............